القائمة الرئيسية

الصفحات


انا هنا من اجلك

 الخامِس عَشر مِن نوفمبر على كُرسيٍ بلاستيكي قد تمَزَق مِقعدَه وخيًط بواسِطة سلكٍ من الفوُلاذ , أو ما يعُرفُ عامياً بالتيل , جلسَ هناك , يوجَدٌ أمامَه طاولة حديدية قدَيمة ُ غير مُتزِنة صُنعِت لدى حدادٍ بصيغةٍ يدوية فجعل أطرافها غيرُ متساويةِ كانت اطرافهُا السُفلية قدَ أصابهَا الصَدىء أما سطحُها فقَد طَليت بلونٍ أبيضٍ بطريقةٍ سيءٍ جِداً أذا ما اقتربتَ مِنها, يا الله كَم تشُبهِني ! قالها في نفسِه ثم حدقَ في السَقف , على السقفِ كان هناكَ مِروحةُ سَقفيةَ أزيلَ دِرعها مِن طرازِ بابِل , عليها اثارُ دهنٍ مُكدسة منذ الازل , أنتبهَ أدم الى شايهِ الذي لمَ يرتشَف مِنه منذ قام بطَلبهِ , شايٌ 
عراقي , بلونٍ أسودٍ قاتِم يخُالطُه لونٌ أحمرٌ خجول , تنَهَد أدم حينما تذوقَ طَعم الشاي البارِد , الشاي العراقي الذي يجبُ أن يشُربَ لا ساخناً بل غَلي أو كما يسمونهَ في العراق " من راس 
 القوري  " أدم ؟ قالها رَجلٌ في الَسبعينَ مِن عُمرِه أشمط , خالط سوادُ شعرهِ البياض , يرتدي بِذلةً أنيقةً تعودُ ألى صيحاتِ الموضى في السبعينات  كأنه خرجَ مشن أحدى الافلام الكلاسيكية لمارلون براندو , في جيب سترتهِ وضِعت ساعةٌ من الطراز الذي يرُبطُ بسلسلةِ الى بنطاله , ذو عينينِ  شديدةُ الزراق ووجهٍ وسيمٍ رغمَ أثارِ الدهرِ عليه . 
تفضل ؟ قالها أدم بتهكمٍ وأسلوبٍ خالٍ مَن المشاعرِ لكِنه مُهذب فمَن لا يَحترمُ هؤلاء الرجالَ ذو الاطلالة  البراقةَ كذهبٍ أبيضِ مهما قسى الزمان عليه  بقيَ أبيضَ لا يمسُه سوادُ العالم .. أشكر لطُفكَ الشَديدَ 
قالها بلغُةٍ عربيةٍ فصيحةٍ رائعةٍ من المخارجِ والحروف واللفظ , ثم جلسَ على كرسيٍ لم ينَتبهِ أدم لوجودِه ثم تمتم مع نفَسِه وأبتسمَ أبتسامةً لا توصفُ الا بكونها أبسامةُ ودٍ وحُبتعَجبَ أدم مِن جُرأءة هذا الرَجلِ وأدبه المُتناهي , بل زادَه عجباً أنه كان يتحدثُ عربيةً خالِصة 
 كما يحُبها أدام  , تبسمَ أدم ثم قال 
لَم التحدثُ باللغةِ العَربية؟ أسالتَ يوماً قرشاً لِم يعيشُ في الماء ؟  ضحِك أدم وايقن أن الرَجل الذي أمامه فطنٌ جِداً 
أذا ما أسمُكَ يا عَم ؟ ليسَ مِن العدَلِ أن تعَرِف أسمي وأن لا اعرفكُ أصلا , وابسم أبتسامةُ  تخُفي خبثاً أجابهُ ألعجوزُ , أليسَت الاسماءُ سبيلاً لاخفاءِ مَن نحنَ ؟ ما نحن ؟ َمن نَحن , نحنُ فهُوة الانهِاية , نحَنُ حَلقةُ الحياةِ وذنُوبُ الموت ... 
 قاطعه العجوز : وهي كثيرة
تميم ؟ أجابهُ  أدم مُتعجباً لِم لا !  فتميم ابن رَضوى عاشور ومُريد تبسَم أدم ثم قالَ ما الذي أتى بكَ الي ؟ تجََهم العَجوزُ ثمُ قالَ كانَ مِن الاجدَرِ بكَِ أن تقَولَ لَم قدَمت الي ؟ ضحكَ أدم بصوتٍ واضحِ جَعل كُل مَن في المكانِ ينتبهُ اليه , وينظرُ اليه باستغرابٍ شديد جِد اً وضع العجوز 3 الاف دينار على الطاولة ثمُ نهَض مِن الكُرسي وقالَ الى لقاءٍ ثانٍ اشكُ في هذا , تمتم ادم مع نفَسه سنرى .. تعجب أدم من الامر ثمُ نهض مِن كرسيهِ وخرج من المقهى , في طربقِه الى الخروج سالهُ القائم على المقهى بلطفٍ عن نقودِ ما شرِب اشارَ الى الطاوِلة ثمُ أخرجَ مِن جيبهِ بضع اوراقٍ  نقديةٍ اعطاها اياها اكراماً له كما أعتادَ أن يَفعل .. 
في تِلك الليلةِ تحديداً .. كانت موسيقى الجاز عامِلاً مُساعِداً على الارقِ وكان يسمعُ مع كُلِ  لحنٍ يخرجُ مِن الهاتِف كان يسمعُ  الموت .. الموت ... الموت...
كانَ جَل ما يقُكر بهِ هو الانتِحار , أو نهايةٌ رَحيمةٌ لحياتهِ , كعادتهِ في كُلِ يومٍ منذُ أن ماتت , توشح مسدَساً مِن الطِراز ال قَديم ذو البكَرةِ والست رصاصات , وضعها عشوائياً في أحدى الحجرات , قامَ بتدويرِ البكرةِ بسرعةِ شديدة وقامَ باغلاقهِا عمداَ ثم وجه المسدس الى راسه اغمض عينيه ثم ضغط الزناد , احس بوميضٍ قويِ جِداً لكِنه لمَ يعَرف أحيٌ هو أم ميت , ما  هذا الضوء , قاطعت سلسلةٌ أفكاره صوتُ البرق , أذا لم يكُن يومه في هذا اليوم , تعالى صوت المطرِ الذي يهَبطُ رويداً رويداً ثم يتسارع كحصانٍ في الميدان , أحس أدم برغبة  ملحةٍ للخروج الى الشارع ِجلسَ على الرصيفِ غيرُ مبالٍ بالماء الذي بلل ملابسهُ  مرتدياً قلنسوةً سوداء , قطراتُ المَطرِ تتحطمُ واحدَةً تلوا الاخرى وهي سعيدةَ فلرٌبماَ وحَدت حياةً أفضلُ مِن حياة القطرات , محطمةً هيكلها البلوري  ومحطمة حلقاتها  والروتين الذي يعتليها , كم مضى مِن الوقتِ مُذ رحلت عنه وما زال أدم يرسمُ الامالَ بمتٍ علهً يجمعهً بمحبوبه , أحس أدم بأن المطر توقف , لأكنه ما زال يستمع الى صوتِ المطر لذي يهطل بغزارة شديدة حتى يشُعر ألمرء أنه وابلٌ من الرصاصِ الحي الذي يخترق جسده , سَمِع صوتاً مالوفاً , لكِنه ليس مالوفاً جِداً , رفع راسه  ليرى مظلة تقيه المطر , الرجلُ العجوز مِن جديدِ لكِنه أكثرُ حُزناً , أكثرُ تعُساً 
كيف حالكُ ؟ أجابَ بتهكمٍ هو يفتح علبة السكائر التي تشبع بالمياه عل احداها لم تترطب , أتلعمُ أن كيفَ حالكَ هي ليسَت الا تحيةً بينَ البرَ , نحنُ في عالمٍ سادَ فيه التملقُ والمثاليةَ الزائفة , فنحن نظهر للناس انا مهتون بهم , وهم يظهرون لنا بأنهم ممتون لسؤالنا , لكِن حقيقةَ الامرِ بأننا  نكّذب! قالها وهو يحاول اشعال السيكارة , نحنُ لا نكَذب لكِنكّ تبَحثُ عَن الحقيقةِ في المكانِ الخاطىء , فكيفَ بطبيبٍ أن يفهمَ في السياسةَ , أو مُهندسٌ يجري عملياتٍ جِراحيةَ , أنك تسدي الامورَ الى غير صاحِبها ومَن صاحبهُا ؟ قالها همهمةً والدخان يملىء فم  علئلتك احبابك! تحسر قليلا ثم تنهدة واطلقَ الهواء الحار مِن صدره ثم قال .. رحلوا جميعاً لكِني ما زِلتُ هنا! ضحك أدم ثم تابع – لم اعرفك الا منذ البارحة , لربما اردت الحاق الاذيةِ بنفَسك! 
 قالَ واني اعرِفك مُنذ الأزل ايٌ أزلٍ هذا ؟ لا تكُ سخيفاً ! - لم اعتد عليك فض اً -
قام ادم مرتعباً لما يحدثُ معه , كان يتحركُ كالمَسوس مِن الجن , ركضُ متخبطاً  في كل ما يراه حتى صَدمتهُ سيارة سوداء
 -اين انا ؟ لماذا كل شيءٍ مشوشُ جِداً ولم رأسي يؤلِمني فتح عينيهٍ ليرى الرَجلَ العجوزً فوقَ  رأسه قد صدمتَ بواسطةِ سيارةٍ ما تاريخ اليوم! التااسع عشر  مِن نوفمبر ؟  لا مِن ديسمبر  - أين أنا ؟ مالذي يحَصُل تسارعت انفاسهُ وبدأ جهاز تخطيطِ القلب الالكتروني يصدر اصواتٍ غريبةٍ حتى أغمي عليهِ , عاد مرةً أخرى الى وعيهِ لكِنه فهم الوضع الان .. كان في انتظارِه زائرٌ أخر , الا وهو الرجلُ الذي صَدمه و كان لطيفاً بما فيه الكفاية ]ان يفرح لرؤيتهِ هكذا , مِن شدةِ فرحهِ التقط صورة سيلفي مع العجوز ادم , وكانت صورة مفعمةً بالروح ,اخذ احمد "صاحب السيارة " هاتفه ليري أدم الصورة , ضل ادم مصفرة الوجه محتقن الشفتين , اعتلى عينيها الاحمرار , ولون شفتيه امسى بنفسجياً  لنقصِ الاوكسجين , أغميَ عليهِ ليومٍ ليومينِ ..لشهرٍ لعدةِ شهور .. الثالث من مايو.. وجَد ادم نَفسهُ يصارِع لاجل أن يفتح عينيهِ التي التصق رمشاها ببعضهما , كانهَما  حيوانُ كوالا خائفٌ وملتصقٌ بأمهِ .. عندما افتتح عينيه كانت الاضواء شديدة جداً عليهِ , لم تكن قزحية عينه مستعدة بعد , ينظر يميناً لم يرى أحداً , ويساراً كذلك لا يرى احداً  رفعَ رأسه الى السماء وقال  " شكراً " في تلك اللحظات فتح الباب , اشاح ادم بنظري بصعوبة بالغة كانه يعاني من اثار ما بعد الثمالة , ليراه مرة اخرى ببذلته الانيقة , بحبهِ وجمالهِ بكل مايملكه .. أزدادت سرعةُ نبضاتهِ كأنه يعاني من ازمةٍ اخرى  قدم العجوزُ اليهِ وقال أتعلمُ مَن  أنا ؟ 
بدأت الافكار تتوالى الى رأس أدم كالسيل , لم يستطع ايقافها , اشاح بيده الى رأسهِ تذكر ندبةً غائرةً فيه , ندبة افقدتهُ جزء من ذاكرته لكنهُ متاكدُ الان بأن العجوز هو شخصُ يعرِفه , يحبهُ لكنهُ لا يعلمُ من هو , يزداد نبض قلبهِ  ويبدأ ادم بفقدان الوعي , يدخل الكادر الطبي مسرعا ويضع العجوز يده على راس أدم ويقول انا معك "دوماً معك يا بني " .. 

بقلم د. ابراهيم صالح كلية طب نينوى

تعليقات