القائمة الرئيسية

الصفحات

مفاهيم خاطئة في علاج الربو بقلم د.حمدي التركي استشاري امراض الصدر


 مفاهيم خاطئة في علاج الربو

هناك العديد من المفاهيم الخاطئة المنتشرة بين الناس في شارعنا العربي، وتلك المفاهيم عرضة للتناقل والتبني من قبل الأهالي، وللأسف أحياناً من قبل بعض الأطباء غير الاختصاصيين في هذا المجال، وفي ما يلي سندرج بعضاً من تلك المفاهيم المنتشرة بين عامة الناس، والأوساط الطبية غير التخصصية التي تتعلق بالفهم الخاطئ لآليات عمل الأدوية المعالجة للربو عند الأطفال وحقيقة المخاطر الكامنة وراء استخدامها.

- الأدوية على شكل شراب آمنة بنسبة أكبر بكثير من الأدوية الاستنشاقية

يعتبر هذا المفهوم الخاطئ شائعاً بنسبة كبيرة حتى عند بعض الممارسين العامين، ولذلك يبدأون علاج النوبات الربوية الخفيفة وحتى متوسطة الشدة باستخدام الأدوية المعدة للشرب عوضاً عن البدء بالأدوية الاستنشاقية الأكثر أمناً وفعالية. والأسوأ أنه بسبب تبنّي هذا المفهوم من قبل الأهالي، فإنهم قد يقومون بإعطاء تلك الأدوية (الشراب) من تلقاء أنفسهم، ولمدة أطول من المسموح على أساس أنها أدوية قليلة الضرر. في الحقيقة، تعتبر العلاجات الاستنشاقية الموسعة للشعب الهوائية أو المحتوية على الكورتيزون ومشتقاته أكثر أماناً على صحة الطفل وأكثر فعالية، وأقل إحداثاً للتأثيرات الجانبية غير المرغوبة؛ لأنها تصل بشكل مباشر إلى المستقبلات المستهدفة في الشعب الهوائية من دون الحاجة لمرورها عبر الجهاز الهضمي إلى الدورة الدموية، ومن ثم إلى المستقبلات المحددة في المجرى الهوائي، وبالتالي تكون الأعراض الجانبية لموسعات الشعب الهوائية - من تسرع في ضربات القلب وخلافه - أوضح عند إعطاء الشراب منها عند إعطاء نفس المادة عبر جهاز الاستنشاق اليدوي أو الآلي، وينطبق الأمر نفسه على الأعراض الجانبية غير المرغوبة لاستخدام الكورتيزون ومشتقاته، حيث نسبة الامتصاص إلى الدورة الدموية عند استخدام الشكل الفموي للعلاج تفوق بأضعاف نسبة الامتصاص عند استخدام العلاج بالاستنشاق.

- الأدوية الاستنشاقية تسبب الإدمان

هذا أيضاً مفهوم خاطئ، حيث يتردد كثيراً على لسان أهل المرضى الطلب بعدم إعطاء ابنهم/ ابنتهم دواءً استنشاقياً خوفاً من التعود عليه أو إدمانه، وذلك يعتمد على رؤية شعبية تعتمد الملاحظة العامة دليلاً على أن الطفل عندما يبدأ العلاج سيستمر في أخذه، تماماً كما يجري المعتقد السائد بتعاطي أدوية السكري وارتفاع الضغط الشرياني عند البالغين. وهنا يجب توضيح الأمر بالقول إن مريض السكري يبدأ بأخذ الأدوية لضبط سكر الدم بسبب تلف متزايد غير قابل للتراجع في خلايا البنكرياس؛ لذا سيستمر في أخذ أدويته، وكذلك مريض ارتفاع الضغط المزمن سيفعل الشيء نفسه بسبب استمرار الآلية المحدثة لارتفاع الضغط الأساسي (أو مجهول السبب). أما في حال عدم أخذ العلاج الخاص بالنوبات الربوية، فإن هذا سيؤدي إلى حدوث سماكنة مزمنة في جدران المجاري الهوائية؛ مما يؤدي إلى تحول الحالة إلى حالة مزمنة، والعلاج المتقن والمبكر الموسع للشعب أو الوقائي سيؤدي إلى تراجع معظم الحالات بعد سن الطفولة الأولى وغيابها بشكل نهائي.
ولذا نقوم بشرح الأمر دائماً في العيادة على الشكل التالي:
"إن ضرورة الإعطاء المتكرر في بعض الحالات عند الأطفال ليست ناجمة عن التعود والإدمان، والموضوع لا يشبه تعاطي الأدوية المخدرة، وإنما حاجة الطفل هي التي تحدد الموضوع حسب درجة ونمط النوبات الربوية التي تصيبه، وذلك اعتماداً على بقاء السبب المحرض لظهور تلك النوبات، والذي غالباً ما يتراجع مع تقدم العمر ولا يزيد". ونشرح أيضاً بأن الأدوية الاستنشاقية المحتوية على الكورتيزون ومشتقاته مثلاً لا تحدث تأثيرات جهازية (داخل أجهزة وأعضاء الجسم) إلا بعد استخدامها بجرعات عالية لفترات طويلة تتجاوز الستة أشهر إلى سنتين، ويجب قطعها عند ذلك الحد بشكل تدريجي، وليس بشكل مفاجئ، لأن ذلك قد يؤدي إلى نكس الأعراض فيما يشبه التعود أو استمرار الحاجة للدواء.


- موسعات الشعب الهوائية الاستنشاقية أكثر أماناً من الأدوية الاستنشاقية المحتوية على مشتقات الكورتيزون

وهذا أيضاً خطأ جسيم، والخوف من كلمة كورتيزون يعتبر لا مبرراً عند إعطاء هذه المادة ضمن حدود الأمان التي ترسم خطة العلاج كماً ونوعاً وشكلاً ومدةً، لكننا ما نزال نرى الكثير من الأهالي والأطباء يطمئنون لإعطاء الأدوية الموسعة للشعب الهوائية مهما كان تكرار أو مدة الإعطاء، ويُعرِضون في الوقت نفسه عن استخدام الأدوية الاستنشاقية المحتوية على مشتقات الكورتيزون، خوفاً من تأثيراتها الجهازية، وترى الأهل يستخدمون موسعات الشعب بتكرار قد يكون مؤذياً جداً، بدل أن يستخدموا الأدوية الوقائية المحتوية على مشتقات الكورتيزون. وهنا يجب أن نوضح أمراً مهماً معاكساً لهذا المفهوم المغلوط بأن الأدوية الاستنشاقية المحتوية على مشتقات الكورتيزون آمنة في حال التزام بالجرعات والمدد الموصى بها من قبل الاختصاصيين في هذا المجال، وعلى العكس من ذلك تماماً فالاستخدام اللامحدود لموسعات الشعب الاستنشاقية قد يؤدي إلى حوادث قلبية مؤسفة كاضطرابات النظم وتوقف القلب المفاجئ.  ونحن دوماً بحاجة لتثقيف الناس والأطباء غير المختصين، وإرشادهم إلى آخر ما توصلت له الخبرات العلمية، وذلك لرفع مستوى ثقافة الأهل حول العلاج، وتوجيه الأطباء إلى العلاج الأمثل، وقانا الله وإياكم وأولادنا جميعاً شر المرض وأضراره.




تعليقات